
وجـوهٌ يومئذٍ .. !
وجـوهٌ يومئذٍ .. !
بقي هذا الوجه يلاحقني و يسبب لي مشاكلا في كل أزمة تقع توجه الأصابع نحوي ، كنت أشعر بالغيرة من رفيقي الذي يُستثنى بسبب البراءة التي يبدو عليها حتى في الحالات التي قمنا فيها بواقعة واشترك معنا ! ، لكن الأمر سيتغير في مرحلة الثانوية ، حيث فجأة سيقرر الأساتذة والأستاذات إكتشاف وجهي الثاني ، وجهي الذي سينقذني من ثلاث مجالس تأديبية…
قصّة فوتوغرافيّة
______
محمدي حكيم
وجـوه ..

كثيرا ماكانت تشدني هذه الآيات من سورة القيامة :
“ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ “
كنت أتوقف عند الفروق بين عباد الله الفائزين في إمتحان الدنيا والخاسرين منهم ، كنت - وأنا صغير - أرتعد عندما أتذكر شكل وجهي القبيح نوعا ما ، كثيرا ما تساءلت بمرارة هل يبدلني الله وقتها وجها آخرا حتى أسعد به ، أم أنه مكتوب علي الخسران لقبحي !
إكتشفت لاحقا من خلال مطالعتي أن الوجه الإنساني نال نصيبا كبيرا من الإهتمام في الثقافة الإسلامية بما فيها ثقافة ماقبل الإسلام في شبه الجزيرة العربية ، فأغلب الفتاوى المتداولة حتى اليوم تتحدث عن الحجاب عند النساء والنمص ووضع الكحل والقزع و حلق الشارب و إسدال اللّحى ..، وقد أفرد لها فقهاء المراحل الاولى كتبا ومجلدات !
يبدو الأمر منطقيا فلفظ “ الوجه “ ورد في القرآن أكثر من خمسين مرة ، و ورد في التراث أن نبي الإسلام كان بهي الوجه قوي البنية ، و إرتبط حسن الوجه في القرون اللاحقة عند العرب والمسلمين بالتوفيق والنجاح في الحياة ، بينما الشقاء يرتسم في نظرهم بالوجه المقتر ، و هذا توصيف مستمد من النص القرآني
ليس الأمر مقتصرا على الإسلام ، ففي الأديان السابقة قال موسى النبي لربه أرني أنظر إليك ، لقد كان موسى مؤمنا وقريبا من ربه غير أنه كان بحاجة لرؤية وجه الإله هذا الذي يدعوه لمحاربة فرعون الملك والرّب ..
إن هذه المخاطرة عند موسى ورغم إيمانه والآيات التي رآها إلا أنه كان بحاجة لمعرفة هوية الذي يدفعه للإقدام عليها من خلال رؤية وجهه !
بعيدا عن الدين حضر الوجه في ثقافات الشعوب المختلفة ففي الميثولوجيا اليونانية نجد قصة الصياد الوسيم نرسيس الذي كان مغرورًا ومعتدًا بنفسه لدرجة أنه كان يتكبّر على كل من يحبه ، لاحظت الإلهة نمسيس غروره وكبرياءه، فقررت أن تعاقبه بأن أخذته إلى بحيرة حيث رأى انعكاس صورته ووجهه على صفحة الماء، فوقع على الفور في حب نفسه من خلال وجهه المنعكس ، و عجز عن ترك البحيرة وبقي يحدق فيه إلى أن مات.
في الثقافات الإفريقية وإلى وقت قريب كانت ندوب الوجه عادة منتشرة في وسط القبائل ، حيث يتم شق الجلد بسكين أو قطعة زجاج أو قشور جوز الهند ، والغاية من هذه الندوب هي تمييز كل شخص عن آخر، وكذاك تحديد مرتبة كل شخص في الأسرة والمجتمع والعشيرة والقبيلة، كما أنها رمز للجمال والقوة لدى بعض القبائل ..
الأمر أشبه، تقريبا، بوضع بطاقة هويتك على وجهك !
أحببت منذ صغري مراقبة وجوه الناس ، تشدني وجوه الغرباء كثيرا ، الحقيقة تشدني أكثر الوجوه الغريبة ، أشعر بالضياع لا أنا أحبها ولا أنا أستقبحها .. ، أتذكر من أرشيف طفولتي مراهق جاء إلى حيّينا ، كان يبدو أكثر من مراهق ، يجلس يوميا مع أبناء الحارة ، أطلت ذلك اليوم بدون وعي مني النظر إليه وأظن أن ذلك أقلقه فسخر مني بالطريقة المعهودة :
نعطيك تصويرتي ( أمنحك صورتي ) ! ..
شعرت بمرارة في حلقي وارتسمت إبتسامة بلهاء على شفتي ونظرت بإتجاه الأرض لعلّها تنشق !
أحببت أيضا وسائل النقل المفتوحة كحافلات الحضري ، و الترامواي والميترو و القطارات ، أحببتها لأجل الوجوه التي تجمعها ، وجوه تحكي قصصا و أفراحا و أحلاما ومآسيا .. الأمر أشبه بلوحة فنية و أنت تتفرج عليها ، كنت أطيل النظر والتدقيق عندما أتصادف مع عائلة يركبون مع بعض ، يصبح الأمر شبيها بلعبة مسلية و أنا أعقد المقارنات بين وجوههم و أحاول فهم حالاتهم النفسية ، بالضرورة تبدو الأم نادمة على قرار الزواج و الإنجاب و متحسرة على زهرة شبابها المستمرة في الذبول ، بينما الرجل ينظر بإتجاه النافذة ، على الأرجح يتصور سيناريو مغاير لمباراة فريقه الأخيرة ، بينما زوجته تظن واثقة أنه رأى إحدى عشيقاته عندما هموا بالركوب ! … أما الأطفال ، آه من الأطفال ماذا يعرفون عن لوثة الحياة ..، إنهم فرحون وهذا كافٍ
ماذا لوكان هؤلاء الراكبون وجوههم مشوهة أو مخفية ، هل كان بإمكاني تخمين حكاياتهم من الأكتاف أو الصدور أو النهود الشبيهة بحبات التفاح البلدي ؟
أبدا !
في فلم تاركوفسكي “التضحية “ يحكي ساعي البريد قصة الأرملة التي تسكن مع وحيدة مع إبنها الذي يتم طلبه في الحرب فيقرر رفقة والدته عمل صورة تذكارية مشتركة قبل رحيله ، تبدأ الحرب ويموت الفتى بعد أيام وتنسى الأم أمر الصورة وتغير مكان عيشها ويمضي الوقت .. إلى أن تقرر الحصول على صورة شخصية لتمنحها لصديق ، وعندما تأخذ الكروت تجد نفسها غير وحيدة بل مع إبنها الراحل وهو في سن الثمانية عشر !
سطوة وسيطرة صور الراحلين على ذكرياتنا لن تنقطع ، إن رحيلهم المادي لايعني غيابهم الأبدي ، بل سيبقون حاضرين في أماكنهم و أحيائهم المفضلة بفضل صورهم المنسوخة في ذاكراتنا ، والحقيقة هذه الصور هي وجوههم التي نعرفها ، وسنبقى نحبهم لأنهم لايتغيرون علينا ، وجوههم هي نفسها كما غادرونا بها في دنيا كل شيئ فيها يتغير بإستمرار !
أتذكر من فلم الرجل ذو القناع الحديدي ليوناردو ديكابريو عندما لعب دور ملك فرنسا “ لويس 14” الذي علم أن له أخ توأم سبقه بدقائق في الولادة تم تهريبه لتفادي صراع الإخوة وتكليف عائلة مزارعة بتربيته في أحد الأرياف ، ويشبهه حد التطابق ، ولو يُعلمه أحد بالواقعة سيصبح تلقائيا الملك ، بمجرد أن وصل للحكم بعد والده ذهب إليه وأحضره ولم يعلمه بشيئ ، بل وبسبب تعذر قتله إمتثالا للعرف الملكي ألبسه قناعا حديديا ورماه في سجل الباستيل الشهير حتى يقطع أي إحتمال لمنازعته حول العرش ، لقد حرمه من خلال القناع من هويته ، وظل سرا بالنسبة حتى لسجانيه أو الأشخاص القليلين الذين يعرفون الحكاية ، في وسط الفلم عندما ينجو الشقيق التوأم من القناع الذي إرتداه لست سنوات ويقابل أخاه الملك المتشبت بالحكم يخبره أنه يشتاق للقناع ويشعر من خلاله بالحماية أكثر من وجهه الحقيقي !
لقد كان السجين محميا بالقناع ذلك أنه لم يكن يملك هوية ، ولا أحد يعرفه ومعنى ذلك لايوجد خطر ، لكن وقد أُكتشف وجهه فإنه في خطر ومعروف للآخرين

في الأدب حضر الوجه كعنصر رئيسي في الكتابات ، بل كتبت روايات بطلها الوجه كحامل للقصة ، حيث كتب فيكتور هوغو رواية “ الضاحك الباكي “ التي تحكي عن الفتى الأبكم الذي تم تشويه وجهه ليبدو ضاحكا طول الوقت و دفعه لحلقات السيرك في أنحاء بريطانيا العظمى ، إن وجهه كان بالنسبة لمالكيه هو أساس التواصل مع الجماهير و به يتقاضون المال نظير الفرجة ، يبدو ذلك مختصرا في هذا الإقتباس الجميل :
“ ضحك حتى عافه الضحك ضحك فأضحك، ولكنه بكى فكان بكاؤه ضحكاً متصلاً صبي شوّهوه ومزّقوا فاه شوّهوه حتى أضحكوه ولم يبتسم لبؤسه سوى ثلاثة : شيخ .. وعمياء .. وذئب “ .
في الشعر العربي كان الوجه موضوعا للغزل و المدح تارة وتارة أخرى موضوعا مهما للتنمر ، سنجد ببحث صغير قصائدا قيلت في مدح المحبوب ، ولم يكن المدح حسيا ، إنما كان مدحا وصفيا يتعلق بالشكل و نظرا لأن غالب الغزل كان عذريا ولم يتعدَ لوصف المفاتن فإنه تركز على حسن الوجه ، وليس ذلك مصادفة أو ضرورة ، فمدح الوجه لم يكن سوى إستظهار من الشاعر لهوية حبيبته و الإعلان عن ذلك حتى يجعلها لنفسه
زارت عبلة عشيقها عنترة بن شدّاد في المنام ، بلاشك زاره وجهها ، وعليه فإنه عرف من خلاله أنها عبلة لا أُخرى ، لذلك أنشد صادقا يقول :
فَضمَتُها كَيما أُقَبِّل ثغرَها / وَالدمعُ مِن جَفني قد بَل الثَرى
وَكَشفتُ بُرقُعَها فَأَشرق وَجهُها / حَتى أَعاد الليل صُبحا مُسفِرا
بالإضافة للغزل حضر كموضوع للتنمر وتمييز كل شخص عن آخر بصفات خلقية ، و لعل أهم بيت قيل وبقي راسخا ومتداولا واستطاع أن يجد مكانا حتى في عالم الميمز هو بيت إبن الرومي الذي يقذع فيه إن حرب فيقول :
لك أنف يا ابن حرب / أنفت منه الأنوف
أنت في القدس تصلي / وهو في البيت يطوف
ويقلده لاحقا أحمد شوفي الذي يهجو إبن خالته :
لك أنف يا ابن خالي / تعبت منه الأنوف
أنت بالبيت تصلي / وهو بالركن يطوف
ودخل ابن نخيلة اليمن ولم يرَ فيها أحسن من نفسه وكان قبيحاً فقال:
لم أرَ غيري حسنا / منذ دخلت اليمنا
فيا شقاء بلدة / أحسن مَنْ فيها أنا
في الثقافة الشعبية الجزائرية حظي الوجه في القصة والحكاية بمكانة خاصة ، كقصة الولي الصالح سيدي لخضر بن خلوف مع الرأس الذي وجده وقد جرفته من قبره السيول ، فراح يسائله عن أصله و أهله و قدره الذي ساقه هنا ، تعد هذه المسائلة من أعمق و أشهر ما كتب في الشعر الشعبي ، وقد عرف أن لخضر بن خلوف هو أول شاعر في شمال إفريقيا أنّه ترك إرثا كبيرا من القصائد التي غُني كثيرا منها لعل هذه أشهرها .. القصيدة معروفة ب “ راس بنادم “ أو “ راس المحنة “ وغناها مطربون كبار لعل أشهرهم “ البار عمر “ ، لقد تعذر على الشاعر تحديد هوية الرأس لأنه مجرد هيكل لاوجه له ، وبذلك فأول إشكال صادفه هو أنه رجل أو إمرأة !
يا ذ الراس الفاني كانك راس امرا ….. بعد الهمة و الظفرة امسيت عظام
ما كانت مولاتك زايخة مشهورة….. في انجوع بهمّة تعشي على لريام
ثم يقول كذلك :
جيت انسالك و انتايا ترد جوابي ؛؛؛ حشمتك بالله الحي القيوم
هذا وطنك و اللا جيت براني ؛؛؛ يا راس ابنادم لله كلمني
إن الوجه هو المكسب الإتيقي الأكبر في تاريخ إنسانيتنا ، وما قصصي مع الوجوه إلا إنعكاس لوعي عميق بأهمية هذا الجزء منا ، وأن بواسطته يتبلور الشعور بالهوية والشخصانية حيث تشوه الوجه يُفقد الإنسان بطاقة تعريفه ويعرضه لدراما يومية خطيرة ، والأمر يختلف لو يصاب أي عضو آخر بتشوه ومهما كانت خطورة التشوه وقيمة العضو إلا أن ذلك لايؤثر على هوية الشخص !
في بعض الدول الأوروبية تم منع الجلباب أو البرقع في الأماكن العمومية بسبب الإسلاموفوبيا ، صحيح القضية إيديولوجية ومعروفة لكنها ترتكز على أسس منطقية ، فالتي تلبس هذا اللباس تخفي وجهها وبالتالي تخفي هويتها وبذلك تشكل خطرا على الآخرين ، الأمر نفسه يحدث عند المجرمين والسارقين الذي يغطون وجوههم بأقنعة ، رجال الشرطة المكلفون بمكافحة الشغب يضعون الكاغول ، منفذو أحكام الإعدام ملثمون ..إنهم يشتركون في نقطة واحدة وهي الإختفاء .
الشيئ المؤكد هو أن الوجه الإنساني تتأسس عليه كل علاقة أخلاقية مع الآخر ، وعليه بنى إيمانويل لفيناس فلسفته و إعتبره أساس كل علاقة تواصل ولقاء بين الأنا والآخر المختلف ، كما رأى أنه أكثر عضو في الجسد يتبلور معه الشعور بالهوية ، ولذلك إهتم بشكل مكثف بإيتيقيا الوجه وقدسيته وروحانيته ..




من الشّبــه أربعين

يفوق عدد البشر الذين عاشو على هذه الأرض 100 مليار شخص ، يعني أن إحتمالية وجود أشباه متطابقين لكل واحد منا إحتمالية واردة جدا ، وفي مقابل شخص غريب نلتقيه هناك عشرات ومئات النسخ التي صادفتنا وظننا أننا على معرفة وصلة بهم وفي الغالب يشبهون شخصا نعرفه ! ، ولقد ميزنا كل هذا من الوجه ، وتختلف هذه القدرة عندنا من شخص إلى آخر ، هناك أشخاص مصابون بمايعرف ب “ عمى التعرف على الوجوه “ ، حيث يجد هؤلاء صعوبة في تمييز حتى المشاهير والمعارف في الصور الفوتوغرافية !
في مدينتي نتداول نكتة وهي واقعة حقيقية لشيخ من الذين غادرو المدرسة في المراحل الأولى ، منحوه صورته الفوتوغرافية حينما كان صغيرا فانزعج منها ورماها محوقلا ، ضحك أصحابه وأخبروه أنها صورته ، عاد يحملها وهو يكيل مدائحا لوجهه وشعره وعينيه !
صادفت في مقال مترجم على موقع الجزيرة الوثائقية أن في عام 2015، اتصلت شركة إنتاج تلفزيونية بسيدة إيرلندية تدعى نيام جياني، تبلغ من العمر 28 عاما، للمشاركة بمنافسة غير اعتيادية؛ تتطلب هذه المسابقة العثور على توءمها الغريب، أي شخص لم تلتق به من قبل ولكنه يبدو مثلها تماما. وبعد أسبوعين من البحث على الشبكات الاجتماعية وكل المنصات المتاحة الأخرى، عثرت جياني على نسخة مطابقة منها وهي سيدة تسمى كارين من دبلن. ثم وجدت شبيها آخر، تسمى لويزا، من جنوة. ثم آخر، وهي إيرين، التي تقطن في سليغو؛ وهكذا اجتمع رباعي متطابق في الشكل، لم تجمعهم أي علاقة أو صلة في الواقع !
قبل أشهر كنت بصدد إنجاز عمل وثائقي ، وإستدعى ذلك تنقلي لمسافة طويلة جدا في يوم غير عادي بالنظر للريح والبرد و المطر ، سأنسى كل هذا عندما ألتقي مصادفة بشخص في قرية نائية ، عزمنا على الإفطار في بيته ، ثم تكفل بدور دليلنا ، غير أني في خضم ذلك شعرت بالقرب منه ، وأحسست إحساسا غير كاذب أني أعرف هذا السيد أو أنه على الأرجح يشبه أحد الأقارب أو معارف أبي ، غير أني عجزت تحديد الشخص الذي يشبهه ، وقد مرت أشهر ولغاية اللحظة يقابلني وجهه في غفوتي .. لازلت أشعر أني أعرفه أو أنه يشبه شخصا أعرفه !
لقد كان وجهه معروفا بالنسبة لي ، تقاسيمه وجحوظ عينيه قليلا ، حديثه وإبتساماته .. بلا شك إلتقينا من قبل وتحدثنا ، لا أعرف متى بالضبط ! ، لكني سأحاول تذكر هذا ، إنه شخص لطيف جدا و من النكران أني لا أتذكره ، سأبحث في معرض الصور لعلي سأجد صورة سابقة لنا لأتذكره ..
وإن لم أجد ! ؟
ماذا سأفعل ..
يا الله .. تحدث هذه الأشياء لتحرجنا ..
ماذا لو سألني عن آخر مرة إلتقينا فيها ! ، الحمد لله أنه لم يسأل ، كما لم يسألني عن حال الوالد و الأهل و الجيران ، طلب مني هذه المرة أخذ صور له ، قليلا ما يُطلب مني هكذا ، ربما فعلها متعمدا ليُبقي ذكراه معي ! ، فعلت ذلك بفرح ، صورة بعد صورة و مع كل صورة أتساءل :
أين إلتقينا سابقا ؟




في الحقيقة يبدو كل ذلك خاطئا بالمرة فالشخص هذا لم ألتقه في حياتي أبدا و متأكد جدا أننا لم نتصادف ولو مرة واحدة حتى من دون كلام ، و أن تشبيهي له بشخص رأيته سابقا من خلال وجهه ماهو إلا حالة بصرية معروفة تدعى “ وهم سبق الرؤية “ أو “ ديجافو - déjà vu “ وهي ظاهرة قديمة أول من نظر لها النفساني الفرنسي “ إميل بويراك “ ، وقد إعتبرها سيغموند فرويد مجموعة من الرغبات المكبوتة ، واعتقد تلميذه كارل يونغ أنها مرتبطة باللاوعي الجماعي، وقبلهم لمح أفلاطون إلى شيئ مشابه وهو إعتقاد وجود الحياة السابقة “ المُثل “ وقد عشناها بالكامل إذا كان يقول “ المعرفة تذكر ، والجهل نسيان “
معرفتي بهذه الحالة البصرية - النفسية أعطتني تفسيرا منطقيا لشعوري ، غير أني لازلت أبحث في الوجوه المطبوعة في ذاكرتي لشبيهه الذي إلتقيته من قبل ، صحيح الشخص في الصور حتما لم نلتق ، لكني حتما تصادفت مع شبيه له و تعارفنا وتحدثنا ، أعرف أشباه أصدقائي ، أنا وأخي نتميز بقدرة تمييز الأشباه ، ربما سأريه الصورة بعدما أنهي هذه الأسطر لعله ينجح في تحديد الشخص الشبيه الذي لم أستطع تذكره .
🎭
إنسانٌ بلا وجه !

إمتلكت وجها بشعا ، شكل لي مايشبه العقدة وقد جعل بيني وبين الجنس الآخر حواجزا ، عجزت عن ربط علاقات حميمية بسبب حكمي الشخصي على بشاعة الوجه الذي أمتلكه ، وقلل ذلك حتما فرص تقرب الفتياة مني ، في ذلك السن المبكر لم نكن قد نضجنا جيدا ، وكان مبررا أن تكون خياراتنا مبنية على الحسن والقبح ! ، ولكم غيرت وجهي في منامات يقظتي ، أُقرّ أني توصلت بقناعة تامة إلى لون عيني الذي أحب أن يكون و نوع شعري وطوله و فصّلت في حواجبي و إستدارة وجهي بشكل عام ، كنت أشعر بسعادة وزهو وأنا أتخيل نفسي هكذا !
وفي وسط هذا لم أتخلّ عن شخصيتي التي أحببتها بكل عيوبها فيما عجزت عن تقبل وحب ملامحي التي خلقت عليها .
في طفولتي كنت نحيلا أصفر الوجه ، ربما الأمر بدأ منذ ذلك الحين ، كانت صديقات أمي يشعرن تجاهي بنوع من الشفقة لضحالة بنيتي ولوني الشاحب ، صحيح لم أتعرض للتنمر ، ربما كان بسبب قدرتي الرهيبة على التنمر كآلية
دفاع ، أفكر أنه فقط تم تفادي الدخول معي في هذه اللعبة ..
في المدرسة عُوملت على نحو مبالغ على أني مجرم دون قرينة ، كان يكفي النظر إلى وجهي لإصدار الحكم ، أستاذ الرياضيات في المتوسطة قال يوم وضعنا مادة الكافور النفاذة في القسم أني الفاعل ، وحينما سأله المستشار قال :
أنظر إلى وجهه .. ألا يوحي بميول إجرامية !

سنتي الأخيرة في المتوسطة أضاعت أستاذتي هاتفها ، وكنت أنا وطالب بهي الوجه اخر من تحدثنا معها في مكتبها عند نهاية الحصة ، كان شكها أن واحد منا السارق ، وكنت أنا السارق المحتمل دون أدنى تخمين ! .. بعد أيام وجدت أستاذتي هاتفها ولما سمعتُ بذلك من تلاميذ القسم الآخر ، واجهتها فرفضت أن تعترف أنها وجدته .. لتبقى وصمة السارق لصيقة بي في القسم ، فيما نجى صديقي من التهمة بسبب حسن وجهه !
قبلها بسنوات معلمة القسم النهائي بالإبتدائية نصحتني أن لا أنظر إليها ، قالت ضاحكة أنها تشعر بالخطر ، وقررت أخيرا أن تغير مكاني جلوسي إلى آخر الصف رغم قامتي القصيرة !
أتذكر أيضا علاقتي مع معارفنا القدامى وعلى قلة صلتي بهم كانو يعتبرونني خطيرا عندما أزورهم ، كنت أشعر بهذا من تعليقاتهم الساخرة ومن عيونهم المترصدة لحركاتي .. كثيرا ماقالو لي :
وجهك يخوف !
بقي هذا الوجه يلاحقني و يسبب لي مشاكلا في كل أزمة تقع توجه الأصابع نحوي ، كنت أشعر بالغيرة من رفيقي الذي يُستثنى بسبب البراءة التي يبدو عليها حتى في الحالات التي قمنا فيها بواقعة واشترك معنا ! ، لكن الأمر سيتغير في مرحلة الثانوية ، حيث فجأة سيقرر الأساتذة والأستاذات إكتشاف وجهي الثاني ، وجهي الذي سينقذني من ثلاث مجالس تأديبية…

سيحصل أن تظبطني أستاذة أغش في مادة الفيزياء ، وستأخذ مني الورقة التي كنت أغش بها وتتركني أواصل الإجابة ، وعندما ترى تغير ملامحي تقدر أني لست من ذلك النوع وأن ظروفا دفعتني لهذا الفعل لتقرر مصالحتي ورفع معنوياتي وفي الأخير تعانقني أمام التلاميذ .. لا أكذب عندما أقول أنها قدرت خطأً ، وتغير ملامحي لم يكن سوى بسبب حزني على فرصة الغش الأخير التي ضاعت مني ، وليست ندما على ما فعلت ! .. أتذكر هذه الحادثة وأضحك من قدرة الوجه على التعبير .
في الجامعة لم أكن مقيما ، وحصل في ليلة بِتُّ فيها عند صديق تخريب وشجار بالخناجر والسيوف بين منظمتين جامعيتين وخرب أحد ما في خضم هذا أغراضا ثمينة لأحد الطرفين ولفق لي شخص بيننا خصومة التهمة ووشى بي أني الفاعل ، ولما جائني الضحية مع رجل الأمن بعد أن دلوه علي صرخ مقسما أن هذا الوجه لن يفعلها !
قال فيما قال : وجه الخروف معروف !
ومن وقتها سيصبح صديقا مقربا !
قبل أسابيع جائني إتصال من مقر الدرك الوطني ببوقطب يستدعيني ، ولما وصلت وجدت أن إستدعاء الخدمة الوطنية ينتظرني شهر ماي هذا ، قام الدركيان بمواساة حقيقية لي ونصحاني بحلول كثيرة لكي أنجو من الخدمة .. بلا شك قدّرا من ملامحي أني لا أستحق وأني لم أرَ اليوم الأسود في حياتي !
أتساءل مرارا بعد هذين المسارين المختلفين : كم أملك من وجه ! ، أيهما وجهي الحقيقي ، هل قمت بتغيير وجهي من خلال أحلامي ؟
سنة 2005 تم إجراء أول زراعة وجه لشابة تدعى إيزابيل دينوار بعد تعرضها لعضات كلبها ، وقد صرحت أنها انقطعت عن التواصل مع العالم بعد تعرضها للتشوه خوفا من المجتمع ، وذلك صحيح بالمرة ، أعرف شابات تعرضن وولدن بندوب في وجوههن وبسبب ذلك بقين عانسات في مجتمع عنيف وغير متسامح و يسيطر عليه هوس الزواج ..
إن الشابة التي أجريت لها العملية إندمجت حتما مع عالمها دون مشكل ، ولكن هل الوجه الذي زرع لها هو ملكها !
لقد طفى تساؤل واقعي حول عمليات تجميل الوجه أو زراعته بالكامل في حالات فقدانه ، تساؤل كالتالي :
من خلال هذه العملية هل يفقد الشخص هويته ! .
بالضرورة تنتج مشاكل أخلاقية كثيرة لعمليات الزرع التأصيلي للأنسجة متعددة العناصر ، وقد نبهت لذلك اللجنة الإستشارية للأخلاق المهنية سنة 2004 راجية أن يتم مراعاة الأمر جديا
ولكن تساؤل آخر سأصيغه بعيدا عن عملية تغيير الوجه العضوي : هل يمكن أن نستبدل الوجه المعنوي الذي يعد إنعكاس لشخصيتنا المعقدة والمركبة ؟ وهل ذلك جائز أخلاقيا ، هل علينا تقبل الأشخاص الذين يعيشون بوجهين ؟
لا أحب فكرة أن أعيش بوجهين ، وجه أرتديه في الصباح وآخر في الليل ، أو وجه للإجتماعات و النزهات ووجه مغبر ومرتق الجوانب للعمل !
لا أحب فكرة العيش بوجهين معنويين أتقافز بينهما ، فكرت في ذلك كثيرا وبدا مزعجا ، على الأقل من جانب أخلاقي على الرغم من أني إن حصلت معجزة سأقبل بتغيير وجهي العضوي لكني لن أقبل مطلقا تغيير وجهي المعنوي ..
“ قال أحدهم : إني أرى الرجل من قفاه فأعرفه . قالوا : فكيف إن رأيت وجهه ؟
قال : فذلك كتاب أقرأه ! “





معرض صـور
٢٠٢٤